More

    الأثر المالي لملكية الأندية المتعددة في كرة القدم

    - Advertisement -

    يُعَدّ هذا المقال الجزء الرابع من سلسلة «الملكية الخاصة في كرة القدم: تغيير قواعد اللعبة أم رهان محفوف بالمخاطر؟»، والتي تستكشف الكيفية التي تُعيد بها صناديق الاستثمار الخاصة تشكيل مشهد كرة القدم من خلال ضخّ رؤوس الأموال وإعادة تعريف ملكية الأندية، بما تحمله من إمكانات تحوّل جوهرية ومخاطر كبيرة في الوقت نفسه.

    في الجزء الأول من هذه السلسلة، تناولنا كيف فتح عدم الاستقرار المالي وفترة ما بعد الجائحة الباب أمام ظهور أنماط جديدة من المُلّاك داخل صناعة كرة القدم. وفي الجزء الثاني، درسنا كيف تنظر هذه الصناديق إلى الأندية باعتبارها أصولاً ضمن محفظة استثمارية أوسع، والمنطق الكامن وراء نموذج الملكية متعددة الأندية، وما يعنيه ذلك للحَوْكمة والأداء والاستدامة على المدى الطويل. أمّا في الجزء الثالث، فقد عرضنا عملية الاستحواذ على الأندية وخطواتها.

    واليوم، يهدف هذا المقال إلى تقييم ما إذا كانت نماذج الملكية متعددة الأندية (MCO) تُولّد منافع مالية مستدامة أم أنها تُشكّل مخاطر طويلة الأمد على الأندية وأصحاب المصلحة في منظومة كرة القدم.

    عندما تستحوذ شركات الاستثمار الخاص على نادٍ لكرة القدم، فهي لا تشتري مجرد فريق، بل تستثمر في أصل تتوقّع تحويله وتحسينه ثم الخروج منه لاحقًا بربح. ولكن هل ينسجم هذا المنطق مع الواقع المالي الفريد لهذه اللعبة؟ تعتمد الإجابة على الكيفية التي يُعرَّف بها النجاح: أَبِمقاييس مالية أم بمعايير كروية؟

    عندما تستحوذ شركات الاستثمار الخاص على نادٍ لكرة القدم، فهي لا تشتري مجرد فريق، بل تستثمر في أصل تتوقّع تحويله وتحسينه ثم الخروج منه لاحقًا بربح.

    أساليب الاستثمار: من إعادة الهيكلة إلى التحسين

    عادةً ما يأتي الفاعلون في مجال الاستثمار الخاص بدليل عمل مُعدّ لعمليات إنعاش الشركات. وفي كرة القدم، يترجم ذلك غالبًا إلى:

    إعادة هيكلة الديون

    تنطوي العديد من عمليات الاستحواذ على امتصاص ديون النادي أو إعادة تنظيمها. قد يخفف ذلك من الضغط المالي على المدى القصير، لكن في بعض الحالات يتم استخدام ديون جديدة لتمويل عملية الاستحواذ نفسها (على طريقة الـ LBO)، مما يزيد من مستوى المخاطر المستقبلية.

    مثال:

    تَمَّ الاستحواذ على نادي بيرنلي (Burnley FC) من قبل شركة ALK Capital في ديسمبر 2020 مقابل نحو 170 مليون جنيه إسترليني، عبر صفقة مُموَّلة بالاقتراض، نُقِل بموجبها ما يقرب من 60–65 مليون جنيه إسترليني من الديون إلى عاتق النادي نفسه، ومُرهونة بأصوله الخاصة.

    وبعد هبوط الفريق في مايو 2022، انهار رقم معاملاته من 123.4 مليون جنيه إسترليني إلى 64.9 مليوناً فقط، أي بانخفاض يقارب 50%، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى انخفاض إيرادات البث من 110 ملايين إلى 47.8 مليون جنيه إسترليني.

    هذا التراجع المفاجئ كشف هشاشة هيكل التمويل بالاقتراض (LBO) وأجبر النادي على الاعتماد على مدفوعات “الهبوط” (parachute payments) ومدفوعات التضامن. كما أبرز كيف يمكن للهبوط أن يُقوِّض بسرعة النماذج المالية القائمة على الرافعة المالية.

    ضبط التكاليف والكفاءة

    غالبًا ما تقوم الأندية المملوكة لشركات الاستثمار الخاص بفرض سقوف رواتب أكثر صرامة، واعتماد هياكل إدارية أكثر خفة، وتركيز عملية اتخاذ القرار، وذلك بهدف خفض التكاليف وتعزيز الكفاءة.

    مثال:

    قام نادي تولوز (Toulouse FC)، تحت ملكية شركة RedBird Capital، بخفض فاتورة الأجور وحجم الطاقم بشكل كبير، مع التركيز على المواهب الشابة منخفضة القيمة في السوق. وقد أدّت هذه الاستراتيجية إلى صعود النادي إلى دوري الدرجة الأولى الفرنسي (Ligue 1) وتحقيقه كأس فرنسا في عام 2023.

    الاستثمار في البنية التحتية

    تُعتبَر عمليات تجديد الملاعب، وبناء مرافق تدريب جديدة، وتطوير المنصّات الرقمية ليست مجرد نفقات، بل محرّكات قيمة طويلة الأمد.

    مثال:

    اعتبر ناديا إيه سي ميلان وإنتر ميلان، المملوكان حاليًا لشركتي الاستثمار الأميركيتين RedBird و Oaktree على التوالي، أنّ التجديد الكامل لملعب جوزيبي مياتسا، المعروف باسم سان سيرو، غير قابل للتطبيق ماليًا.

    وبدلًا من ذلك، يجري الناديان مباحثات لشراء الملعب التاريخي الذي بُني عام 1926، إضافة إلى المنطقة المحيطة به، من بلدية ميلانو، وذلك في إطار خطة إعادة تطوير تبلغ قيمتها 1.2 مليار يورو وتشمل مشروعًا عقاريًا أوسع. ومن المتوقّع أن يساهم هذا المجمّع الجديد في رفع تقييم الناديين خلال السنوات المقبلة بمئات الملايين من اليوروهات.

    استقدام أكثر ذكاءً

    يصبح الكشف عن المواهب والتعاقد مع اللاعبين اعتمادًا على البيانات أولوية أساسية. كما يُنظَر إلى عملية الاستقطاب بصورة متزايدة باعتبارها رافعة مالية، لا مجرد حاجة رياضية.

    مثال:

    تحت إدارة جيرار لوبيز، وبتمويل ارتبط في بداياته بشركة Elliott Management، اعتمد نادي ليل (Lille OSC) نموذجًا قائمًا على استقطاب المواهب المُقيَّمة بأقل من قيمتها الفعلية ثم بيعها لتحقيق أرباح.

    فقد باع النادي اللاعب نيكولا بيبي إلى نادي أرسنال عام 2019 مقابل 80 مليون يورو (وهو رقم قياسي للاعب إفريقي)، بعد أن تعاقد معه مقابل 10 ملايين يورو فقط.

    وفي عام 2020، أبرم ليل أيضًا صفقة انتقال فيكتور أوسيمين إلى نابولي مقابل نحو 70 مليون يورو.

    توقّعات العائد: خلق القيمة مقابل الرؤية الرياضية

    تهدف هذه الاستراتيجيات إلى إنشاء نادٍ أكثر قابلية للاستثمار، يحقق نموًّا في الإيرادات مع استقرار في التكاليف. غير أنّه خلف الجداول المالية توجد معايير أكثر ليونة وأقل قابلية للقياس، غالبًا ما يجري تجاهلها.

    فبناء أكاديمية، أو إنشاء ثقافة داخل النادي، أو الحفاظ على تفاعل الجماهير، لا ينسجم بسهولة مع نموذج عائد استثماري يمتد لخمسة أعوام.

    عوامل المخاطرة: الربح المالي مقابل ثقافة كرة القدم

    إنّ التأثير المالي لملكية الاستثمار الخاص ليس إيجابيًا على نحوٍ موحّد. فقد برزت عدة مخاطر رئيسية عبر عدد من الأندية.

    تشمل هذه المخاطر قِصَر الأمد في الرؤية، وفرط الرفع المالي، واضطراب الحوكمة، وتقديم الأرباح على حساب الشغف الجماهيري، إضافة إلى فقدان القيمة غير الملموسة المرتبطة بالهوية والذاكرة والانتماء.

    الخاتمة

    تُعرَض التحسينات المالية غالبًا من خلال ميزانيات عمومية مُنقّاة وهوامش EBITDA محسّنة. غير أنّ جميع المكاسب ليست هيكلية.

    يجلب الاستثمار الخاص إلى كرة القدم خبرات مالية ضرورية وجرعة من التحديث، غير أنّ الأندية تُصبح مهدّدة بالتحوّل إلى هياكل تجارية فارغة عندما تطغى الهندسة المالية على القيم الرياضية.

    ولكن رغم أنّ إعادة الهيكلة المالية والنمو التجاري يُعَدّان ركيزتين أساسيتين في عملية تحوّل أي نادٍ، فإنّهما يظلان بلا معنى حقيقي من دون نتائج تُحقّق داخل الملعب.

    وفي المقال التالي، نستكشف ما إذا كان دليل العمل الاستراتيجي الذي يعتمده الاستثمار الخاص قادرًا فعلًا على تحقيق النجاح الرياضي، أم أنّ اللعبة ما تزال عصيّة على الخضوع للتحكّم المالي.

    - Advertisement -
    Abdeslam El Feniche
    Abdeslam El Feniche
    Abdeslam El Feniche, FIFA Licensed Agent, holds a Master’s in Financial Engineering and five years of Big Four experience in private equity and asset management. Combining finance expertise with a passion for football, he guides players strategically, leveraging leadership, industry knowledge, and a keen interest in sport and innovation.

    Related Articles

    Latest Articles